لسان الحال الفراشة

غير مصنف
Frapress14 ديسمبر 2019آخر تحديث : منذ 7 سنوات
لسان الحال الفراشة
رابط مختصر

لسان الحال الفراشة
لهدارة بريس بقلم مراسلنا الصحفي مصطفى البرجي

تعني كلمة الفراشة بلغة الضاد ـ لغة القراية ـ ذلك المخلوق الصغيرالذي تتجلى فيه قدرة الباري عز وجل وعظمته، لما حباه به من أجنحة رفيعة مزركشة بمختلف الألوان الزاهية والأشكال البديعة، ومنح الإنسان فيه عاملا جادا ونشيطا يشتغل من طلوع الشمس إلى مغربها لنقل لقاح الذكور من الشجر والنباتات إلى الإناث منها.

وتعني الكلمة نفسها في اللهجة العامية – مع تشديد الراء – قطعة القماش أو القلع التي يفرشها البائع أرضا في السوق أو في الشارع العمومي فوق الرصيف أو تحته، بجانب الشانطي أو وسطه لعرض بضاعته.

أما إذا وردت الكلمة في سياق كلام البسطاء فإنها تعني وبصغة الجمع هؤلاء الباعة الذين دفعتهم الفاقة والحاجة لإمتهان التجارة بدون بتانتا ولا أصل تجاري ولا تيفيا، فأصبحوا رغم أنوفهم تجارا بمدلول الكلمة في اللغة العربية مع أنهم ليسوا كذلك بمدلولها في لغتنا العامية ولكن الجاهل يحسبهم أغنياء من التعفف.

لو سألت كل واحد منهم عن سبب امتهانه للتجارة لأمطرك بهموم تنوء بها الجبال، فمنهم من طرد من العمل لسبب أو بدون سبب، ومنهم من لم يدق قط طعم الشغل والتبعية لأية شركة أو مؤسسة أو مقاولة ومنهم من كان تاجرا ودارت عليه الأيام فخسر كل شيء وأصبح الله كريم ، ومنهم من لم يفلح في الدراسة أو بلغ منها ما شاء الله وجلس في رأس الدرب ما شاء الله ، ومنهم ومنهم…

أما تجارتهم فهي كل شيء وأي شيء بدءا من المنتجات الجديدة جدا و المستوردة من الخارج وانتهاء بالمنتجات القديمة جدا المستخرجة من صناديق القمامة، و لا عجب في ذلك، فلكل منهم زبناؤه و كل زرع يجيه كياله.

والقاسم المشترك بين هؤلاء الباعة البوفريا هو ان لا أحد منهم دفعته الزيغة أو الدسارة لدخول هذا الميدان ، ولم تكن حتما من بين أحلام وتطلعات الشباب منهم ، ولولا لقمة العيش وما تحتاجه الأسرة من سكن ولباس و مصاريف الدراسة و التطبيب، ما كان لأي منهم أن يقبل التعاطي لهذا النوع الشاق من النشاط و عيناه ترقبان يمينا و يسارا خوفا من حضور شاحنة المصالح البلدية التي قد تجمع له حب وتبن .

و الحقيقة أنهم يعرضون بضاعتهم في الطريق العمومي فيعرقلون حركة السير فيه، بالاضافة الى الأزبال و الأوساخ التي يخلفونها بعد انصرافهم كل يوم و لا أحد منهم ينحني لجمعها .
ومما لا شك فيه أنني تناولت هدا الموضوع الشائك و الخطير بطريقة سطحية ومقتضبة مع ما يستحقه من تدقيق في التفاصيل وعرض مختلف وجهات النظر( وهدا ممكن أن نتطرق له في الأعداد المقبلة لأهميته وتعلقه بعيش الناس ) ، لكن الذي تعافه نفسي و تأباه علي إنسانيتي هو أن أرى هذا البائع المسكين يقهر بتجريده من بضاعته وانتزاعها منه لتلقى في المستودع البلدي مع أن حال صاحبها تبين بوضوح أنه مقهور أصلا و حالته لا تحتمل المزيد.

وقد دأبت المصالح البلدية احتجاز بضاعة الفراشة وإبقائها في المستودع البلدي إلى أن يسلك صاحبها مسطرة إدارية معينة مصحوبة بالتوسل والإستجداء ثم أداء رسوم معينة، ولا يختلف اثنان بأن سلوك المصالح البلدية هذا قانوني مساير للضوابط البلدية، لكن هناك الكثير من التساؤلات حول مدى الجدوى من تطبيق تلك الضوابط والقوانين، وحول الجدوى من بناء أسواق داخل السوق و خارجه و اعداد اسواق نمودجية لا يؤمها الزبناء، مما يدفع أصحابها إلى جعلها مجرد مستودع لبضاعتهم التي يعرضونها في الشارع العمومي ، وتجربة سوق الصفيح خير دليل على عدم جدوى الزيادة من عدد المتاجر للقضاء على ظاهرة الفراشة، ثم إن ظاهرة الفراشة سواء على فراشة أرضية أو فوق عربة لا تشكل شذوذا عن القاعدة العامة بل على النقيض من ذلك أرى أنها ظاهرة صحية ومؤشر على ازدهار اقتصادي واجتماعي ويتعين احتضانها بشيء من الصبر والتحمل. وخير دليل على ذلك ما نراه في الدول الأسيوية ذات الكثافة السكانية وما نراه غير بعيد عنا في درب السلطان بالدار البيضاء حيث تمتد صفوف الباعة في كل الشوارع والأزقة من كراج علال إلى ساحة السراغنة وغيره من الأحياء البيضاوية، دون أية مضايقات من السلطات المحلية لدرجة أن أغلب الباعة استغنوا عن العجلات التي كانت تحمل عرباتهم وأصبحوا يتركونها في مكانها وسط الشارع ليلا ونهارا.

والجدير بالإشادة والتنويه هو انضباط أولئك الباعة والتزامهم بقواعد النظافة في الأماكن التي يحتلونها، وختاما أرى من المستحسن أن تبحث المصالح البلدية عن أسلوب بديل للتعايش مع الفراشة مادامت كل المصالح البلدية في جميع بقاع العالم قد فشلت في القضاء عليهم، وما دامت الأسواق النموذجية والمضايقات وحجز البضاعة لم تجد في حل هذا المشكل الذي لا أرى فيه شخصيا أي مشكل
ب . شوقي ألمانيا

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.